ابن أبي الحديد
16
شرح نهج البلاغة
معاوية : يا أبا بحر ، ما الشئ الملفف في البجاد ؟ فقال : السخينة ( 1 ) يا أمير المؤمنين ، وإنما كنى معاوية عن رمى بنى تميم بالنهم وحب الاكل ، بقول القائل : إذا ما مات ميت من تميم * فسرك أن يعيش فجئ بزاد بخبز أو بتمر أو بسمن * أو الشئ الملفف في البجاد ( 2 ) تراه يطوف في الآفاق حرصا * ليأكل رأس لقمان بن عاد . وأراد الشاعر وطب اللبن ، فقال الأحنف : ( هو السخينة يا أمير المؤمنين ) ، لان قريشا كانت تعير بأكل السخينة قبل الاسلام ، لان أكثر زمانها كان زمان قحط والسخينة ما يسخن بالنار ويذر عليه دقيق ، وغلب ذلك على قريش حتى سميت سخينة ، قال حسان : زعمت سخينة أن ستغلب ربها * وليغلبن مغالب الغلاب ( 3 ) فعبر كل واحد من معاوية والأحنف عما أراده بلفظ غير مستهجن ، ولا مستقبح ، وعلم كل واحد منهما مراد صاحبه ، ولم يفهم الحاضرون ما دار بينهما وهذا من باب التعريض وهو قريب من الكناية . ومن كنايات الكتاب العزيز أيضا قوله تعالى : ( وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطئوها ) ، كنى بذلك عن مناكح النساء . ومنها قوله تعالى : ( نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ) ( 4 ) ، كنى عن مواقع النسل بمواقع الحرث .
--> ( 1 ) السخينة : طعام يتخذ من دقيق وسمن ، وكانت قريش تكثر من أكلها فعيرت بها حتى سموا سخينة . ( 2 ) البجاد : كساء مخطط ، من أكسية الاعراب . ( 3 ) نسبة صاحب اللسان ( 17 : 68 ) إلى كعب بن مالك الأنصاري . ( 4 ) سورة البقرة 223